أن يجد أحدهم في عاديّتك ما يستحق الدهشة
ثمة نوع من الحب لا يبدأ باعتراف كبير، ولا بوعد بالبقاء إلى الأبد، وإنما يبدأ بسؤال صغير يطرحه أحدهم لأنه يريد حقاً أن يعرفك. سؤال عن شيء لا يبدو مهماً لأحد سواك، عن سبب اختيارك لمقعد معين في المقهى، أو لماذا تعيد الاستماع إلى الأغنية نفسها، أو لماذا يتغير صوتك قليلاً عندما تتحدث عن طفولتك.
أعتقد أن أجمل ما يمكن أن يقدمه لنا إنسان هو فضوله الصادق تجاهنا. أن يشعر بأن عالمنا الداخلي يستحق الاكتشاف، وأن التفاصيل التي اعتدنا اعتبارها عادية أو غير جديرة بالذكر، تستحق منه الانتباه والتذكر.
أن يسألك أحدهم عن يومك، ثم يتذكر الإجابة في اليوم التالي. أن يعرف أنك لا تحب الحديث فور استيقاظك، وأنك عندما تشعر بالحزن لا تحتاج دائماً إلى نصيحة، وإنما إلى شخص يجلس بجانبك دون أن يطالبك بتفسير كل شيء.
أن يعرف أنك تحب المطر، لكنك لا تحب صوت الرعد. أنك تتظاهر بعدم الاكتراث في بعض المواقف، بينما تظل تفكر فيها لساعات. أنك عندما تشعر بالأمان تصبح أكثر حديثاً، وأن صمتك لا يعني دائماً أنك غاضب، فقد يكون أحياناً طريقتك الوحيدة لترتيب ما يحدث داخلك.
أن يحبك أحدهم هو أن تصبح تفاصيلك الصغيرة جزءاً من ذاكرته، دون أن تطلب منه حفظها.
لطالما وجدت شيئاً مؤثراً في الطريقة التي نحتفظ بها بعادات الأشخاص الذين نحبهم. نعرف كيف يشربون قهوتهم، وما الطعام الذي يتجنبونه، وأي جانب من السرير يفضلون، وكيف تتغير ملامحهم عندما يحاولون إخفاء ضيقهم.
نعرف أن أحدهم يضحك عندما يشعر بالتوتر، وأن آخر يطيل النظر من النافذة عندما ينشغل عقله، وأن شخصاً نحبه لا يستطيع النوم إذا بقي باب الغرفة مفتوحاً، وأنه يحتفظ برسالة قديمة في هاتفه لأنه لا يريد أن يفقد الشعور الذي منحته له يوم قرأها للمرة الأولى.
هذه المعرفة ليست عظيمة في ظاهرها. لا يمكن تحويلها إلى قصيدة بطولية، ولا تبدو مادة مناسبة لقصص الحب التي اعتدنا سماعها. ومع ذلك، أعتقد أنها من أكثر أشكال الحميمية صدقاً.
فليس من الصعب أن تنبهر بإنسان في لحظاته الجميلة، عندما يكون واثقاً من نفسه، أنيقاً، مرحاً، ويعرف تماماً ماذا يقول. لكن الألفة الحقيقية تبدأ عندما تتعرف على النسخة التي لا يقدمها للعالم بسهولة.
النسخة التي تقلق من أشياء يراها الآخرون بسيطة. التي تحتاج إلى الطمأنينة أكثر مما تعترف. التي تتذكر بعض الكلمات المؤذية بعد سنوات من سماعها. التي تشعر أحياناً بأنها كثيرة على الآخرين، أو غير كافية لهم.
أن تعرف هذه النسخة من شخص ما، ثم تظل تنظر إليه بالحنان نفسه، فهذا في نظري أحد أعمق أشكال الحب.
هناك فرق هائل بين أن يعجب بك شخص لأنه لم يعرفك بعد، وأن يحبك شخص بعدما عرفك جيداً.
الإعجاب يستطيع أن يعيش طويلاً على الخيال. نملأ المساحات المجهولة في الآخرين بتوقعاتنا، وننسب إليهم الصفات التي نتمنى العثور عليها. لكن الحب يحتاج إلى شيء أكثر شجاعة: أن نسمح للواقع بأن يحل محل الصورة التي صنعناها.
أن تكتشف أن الشخص الذي تحبه ليس هادئاً دائماً، وأنه قد يصبح عنيداً عندما يخاف، وأنه يحمل تناقضات لا يفهمها حتى هو، وأن بعض جروحه القديمة لا تزال تؤثر في طريقته في الاقتراب والابتعاد.
ثم تختار أن تفهمه، دون أن تتخلى عن حقك في أن تُفهم أنت أيضاً.
فالحب ليس أن نعتبر كل سلوك مؤذٍ أمراً مقبولاً لمجرد أننا نعرف أسبابه. الحب الناضج هو أن نستطيع رؤية الإنسان وراء تصرفاته، وأن نمنحه التعاطف دون أن نلغي حدودنا.
وأظن أن واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في العلاقات هي اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن شيئاً كان يخجل منه طوال حياته، لا يثير في الشخص الذي يحبه سوى الرغبة في احتضانه.
أن تقول لأحدهم شيئاً كنت تتوقع أن يغير نظرته إليك، ثم تجده ينظر إليك بمزيد من الفهم.
أن تكشف له عن خوف قديم، فلا يستخدمه ضدك في خلاف قادم.
أن يعرف نقاط ضعفك، ولا يحول معرفته بها إلى سلطة عليك.
ربما يكون الأمان العاطفي، في أبسط صوره، هو أن تكون معروفاً دون أن تكون مكشوفاً للأذى.
وأحب أيضاً الطريقة التي يغير بها الحب انتباهنا إلى العالم.
قبل أن نحب شخصاً، قد تمر أمامنا مئات الأشياء دون أن نلاحظها. ثم يدخل هذا الإنسان حياتنا، وفجأة تصبح بعض التفاصيل العادية ذات معنى.
نرى كتاباً عن موضوع يحبه، فنتوقف أمامه. نسمع اسم مدينته في حديث عابر، فننصت. نجد نوعاً من الحلوى التي يفضلها، فنفكر في شرائها. نقرأ جملة جميلة، فيكون أول ما يخطر ببالنا أنه سيحب قراءتها.
لا يحدث هذا لأن اهتماماتنا أصبحت متطابقة، وإنما لأن العالم صار يحتوي على شخص نريد أن نشاركه ما نراه.
وهذا في حد ذاته أمر عذب للغاية.
أن يصبح اهتمام إنسان آخر سبباً في اتساع عالمك. أن تتعلم شيئاً لا يعني لك الكثير، فقط لأن عينيه تلمعان عندما يتحدث عنه. أن تحفظ أسماء لا تحتاج إليها، وتتعرف على أماكن لم تكن تفكر في زيارتها، وتمنح وقتك لأحاديث طويلة عن أشياء لم تكن تعرف أنها تستحق الحديث.
ليس لأنك تحاول أن تصبح نسخة منه، وإنما لأنك تريد أن تفهم ما الذي يجعل قلبه ينبض بهذه الطريقة.
وأعتقد أن الفضول من أكثر الأشياء التي تحافظ على الحب حياً.
فمن السهل، بعد سنوات من القرب، أن نعتقد أننا عرفنا الشخص الذي أمامنا بالكامل. أن نتوقف عن السؤال لأننا نظن أننا نعرف الإجابة. أن ننسى أن الإنسان يتغير باستمرار، وأن ما كان يخيفه قبل خمس سنوات قد لا يخيفه اليوم، وأن أحلامه قد تتبدل، وأن بعض الأشياء التي كان يحبها لم تعد تمنحه السعادة نفسها.
لهذا أجد سؤالاً مثل «كيف أصبحت ترى الحياة هذه الأيام؟» سؤالاً رومانسياً على نحو لا يوصف.
أن تظل مهتماً باكتشاف الشخص نفسه، حتى بعدما تصبح ملامحه مألوفة، وصوته مألوفاً، وحضوره جزءاً من تفاصيل يومك.
أن تعرف قصته القديمة، ومع ذلك تترك له مساحة ليخبرك من أصبح الآن.
فالحب ليس أن تحفظ إنساناً كما كان، وإنما أن تظل راغباً في التعرف عليه كما يصبح.
وربما لهذا السبب لا أعتقد أن أجمل العلاقات هي تلك التي لا يختلف فيها شخصان أبداً، أو التي يشعر فيها كل طرف بأنه مفهوم دون أن يتكلم.
أجمل العلاقات، في نظري، هي التي لا يفقد فيها الطرفان رغبتهما في الفهم.
أن يقول أحدهما: «أعرف أنك لم تقصد إيذائي، لكنني أريد أن أخبرك كيف شعرت». وأن يجيب الآخر بفضول حقيقي، لا بدفاع متعجل.
أن يكون الاختلاف فرصة لمعرفة شيء جديد عن الشخص الذي تحبه، لا مناسبة لإثبات أنك تعرفه أكثر مما يعرف نفسه.
أن تستطيع العودة إليه بعد يوم صعب، وأنت مطمئن إلى أنك لن تضطر إلى تمثيل نسخة أكثر سهولة من نفسك حتى تستحق القرب.
وفي المقابل، أن تمنحه الشعور نفسه.
أحياناً أتساءل عن عدد التفاصيل الصغيرة التي يحملها الناس في ذاكرتهم عن أشخاص لم يعودوا في حياتهم.
ربما لا تزال تعرف كيف كان أحدهم يفضل قهوته، أو الأغنية التي كان يشغلها أثناء القيادة، أو اسم الكتاب الذي أراد قراءته ولم يجد الوقت. ربما تمر أمام متجر فتتذكر شيئاً كان سيعجبه، ثم تدرك أنك لم تعد تستطيع إخباره.
إنه أمر مؤثر أن يترك الحب وراءه معرفة لا تختفي بسهولة.
فبعض الناس يغادرون حياتنا، لكنهم يتركون في انتباهنا آثاراً صغيرة. نستمر في ملاحظة أشياء تعلمنا رؤيتها من خلالهم، ونحتفظ بمعلومات لم نكن لنبحث عنها لولا أننا أحببناهم يوماً.
وهذا يجعلني أعتقد أن الحب لا يغير مشاعرنا تجاه الأشخاص فحسب، وإنما يغير الطريقة التي نرى بها العالم.
لكن أكثر ما أتمناه من الحب ليس أن يجدني أحدهم مدهشاً طوال الوقت، ولا أن يعتقد أنني مختلف عن جميع من عرفهم.
أريده أن يجد في عاديتي شيئاً يستحق البقاء.
أن يعرفني في الأيام التي لا أملك فيها قصة مثيرة لأرويها، وفي اللحظات التي أكرر فيها الكلام، وفي الصباحات التي أكون فيها أقل لطفاً وأكثر تعباً، وفي الأوقات التي لا أعرف فيها حتى كيف أشرح ما أشعر به.
أن لا يحتاج إلى نسخة استثنائية مني حتى يشعر بأن وجودي يستحق الاهتمام.
وأريد أن أبادله هذا النوع من الحب. أن أظل أرى في تفاصيله اليومية ما يستحق الانتباه، وأن أستمع إلى القصص التي سبق أن سمعتها، وأن ألاحظ تغير صوته، وأن أسأله عن الأشياء التي لم يعد يتحدث عنها، وأن أكون حاضراً بما يكفي لأعرف متى يحتاج إلى الكلام ومتى يحتاج إلى الصمت.
لأنني، كلما فكرت في الأمر، ازددت اقتناعاً بأن الحب لا يظهر دائماً في الأشياء الكبيرة التي نفعلها من أجل الآخرين.
أحياناً يظهر في أننا نتذكر.
نتذكر ما يخيفهم، وما يطمئنهم، وما يجعلهم يبتسمون دون أن ينتبهوا، وما يحتاجون إليه عندما يصبح العالم ثقيلاً عليهم.
وفي النهاية، ربما تكون أرقّ طريقة لنقول لإنسان «أنا أحبك» هي أن نجعله يشعر، يوماً بعد يوم، بأننا لم نتوقف عن الرغبة في معرفته.
أن ننظر إليه، رغم كل ما نعرفه عنه، ونظل نفكر بحنان:
لا يزال في هذا الإنسان عالم كامل أريد أن أكتشفه.
حسابي في منصة Substack 🧡
https://open.substack.com/pub/engziyad
مقالات اخرى :



