إنّ الناسَ قد جمعوا لكم
انتهت معركةُ أُحد، وخسر المسلمون فيها سبعين رجلًا، وعاد الباقون إلى المدينة بجراحهم. وفي صباح اليوم التالي، والجراحُ لم تجفّ بعد، أمر رسولُ الله ﷺ أصحابه أن يخرجوا وراء جيش قريش الذي قاتلهم بالأمس، واشترط ألّا يخرج معه إلا من كان في المعركة. فخرجوا على حالهم: هذا يُحمَل على دابّة لأنّه لا يقدر على المشي، وهذا يمشي ودمُه على ثيابه، حتى وصلوا إلى موضعٍ قريبٍ من المدينة يُسمّى حمراء الأسد.
وكان أبو سفيان، قائدُ جيش قريش، في طريق عودته إلى مكة، وقد ندم على أنّه لم يكمل الحرب حتى يقضي عليهم. فلمّا بلغه أنّهم خرجوا خلفه، لقي قافلةَ تجّارٍ متّجهةً إلى المدينة، فقال لهم: إذا وصلتم فأخبروا محمدًا أنّنا قرّرنا أن نعود إليه بجيشنا لنقضي على من بقي من أصحابه. أراد أن يصل الخبرُ قبله، فيصنع الخوفُ في قلوب المسلمين ما لم يصنعه جيشُه بالأمس.
وحكى القرآن ما جرى بلفظٍ لافت: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
وفي الآية كلمةُ «الناس» مرّتين. من الذي نقل الخبر؟ الناس. ومن الذي جمع الجيش؟ الناس. لا تسمّي الآيةُ أحدًا، ولا تذكر عددًا. وهذه صفةُ الخبر في كلّ زمان: لا تعرف من قاله حتى تسأله، ولا تعرف كم عددُهم حتى تحسب. يصلك ناقصًا، فتُكمله أنت من خيالك، والخيالُ في ساعة الخوف لا يُكمل إلا بالأسوأ.
ولم يُرسل أبو سفيان الخبرَ مع جنوده؛ أرسله مع تجّارٍ لا شأن لهم بالحرب، يمرّون بالمدينة، يحملون الكلمةَ كما يحملون البضاعة ولا يعرفون ما تصنع. ولو جاء الخبرُ من معسكر العدوّ لردّه الناس، فلمّا جاء على ألسنة قومٍ لا ناقة لهم فيها، صُدّق. الرمحُ يُعرف من أين جاء؛ والكلمةُ تدخل البيوت من غير أن تذكر من أرسلها.
وفي الناحية الأخرى كان معبدٌ الخزاعيّ، رجلٌ من قبيلةٍ مجاورة لم يكن قد أسلم بعد، قد مرّ بأبي سفيان فقال له: إنّ محمدًا خرج في طلبكم في جمعٍ لم أرَ مثله قطّ، وهم يتحرّقون عليكم غيظًا. وما زال يصف له حتى تراجع أبو سفيان، وانصرف بجيشه إلى مكة ولم يرجع. رجلٌ واحدٌ بكلمةٍ ردّ جيشًا كان قد عزم على العودة؛ والجيشُ الذي رُدّ بكلمة هو نفسه الذي أراد أن يردّ المسلمين بكلمة.
فالحربُ لم تكن يومئذٍ في السيوف وحدها، وما كانت في يومٍ من الأيام. يلتقي الجيشان بالحديد، والذي يحسم بينهما شيءٌ لا يُرى: ما في الصدور. فالجيشُ الذي يخاف قبل أن يُضرب مهزومٌ قبل أن يُضرب، والذي يثبت قلبُه يبقى قائمًا وإن قلّ عددُه. ولهذا كان الخبرُ في الحرب سلاحًا؛ يُصيب الموضعَ الذي لا تبلغه السهام.
وأعجبُ ما في المشهد أنّ الخبر الذي أُرسل ليُضعفهم زادهم: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾. لم يُكذّبوه، ولم يبعثوا من يتأكّد؛ سمعوه وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، ومضوا في طريقهم. وهذا هو التوكّل في صورته الصحيحة، لم يسمحوا للخبر أن يقف بينهم وبين ما خرجوا له. فالمتوكّل لا يُنكر أنّ العدوّ موجود، ولا يُنكر أنّه قد يكون جمع جيشه؛ يُنكر فقط أن يكون الخوفُ هو الذي يرسم له خطوته التالية.
وما زال لكلّ زمانٍ قافلتُه التي تمرّ بالمدينة. كانت في ذلك اليوم تجّارًا على الإبل، وهي اليوم في جوّالاتنا، تمرّ بنا كلَّ ساعةٍ وتحمل الخبر إلى ألف بيت. مقطعٌ لا يُعرف مصدره، وحسابٌ لا يُعرف من وراءه، ثم يُعاد إرسالُه مرّةً بعد مرّة، وكلُّ من أرسله حسب أنّه يُنذر ويحذّر، وهو في الواقع يُكمل الطريقَ الذي عجز العدوُّ عن إكماله.
قال لهم الناسُ إنّ الناس قد جمعوا لكم، فردّوا الكثرةَ المجهولة بواحدٍ معلوم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنعم المولى ونعم النصير.


